السيد نعمة الله الجزائري
235
الأنوار النعمانية
واما مادة خلقتهما فالمشهور انهام من النار كما قال تعالى وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ، وقوله وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ، والمارج هو لهب النار الخالص من الدخان ، فعلى هذا يكون عنصره واحدا ، وقيل هو مركب من العناصر الأربعة الا ان الأغلب عليه النار فلذا كان هو المنسوب اليه ، ويؤيده ان في الآيات ذكر خلق الانسان معه هكذا خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ والصلصال الطين اليابس ، والفخار الطين المطبوخ بالنار ، فلذا لم يذكر للانسان سوى الطين لكونه الاغل فيه ، ومن ثم كان المكان الطبيعي للجسم هو مكان أغلب عناصره ، وقد ثبت هذا بالبرهان والمراد بالجان في هذه الآيات على ما قاله أكثر المفسرين أبو الجنّ ، وقال الحسن هو إبليس أبو الجن فيكون النوع واحدا وقد تواترت الاخبار ببقائهما بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى يوم القيامة . اما الشياطين فلا خلاف فيه بين المسلمين واما الجن فقد نقل لي شيخنا الثقة ان الفاضل القزويني « 1 » دام اللّه أيامه قد انكر وجودهم بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وقال إنه دعا عليهم فماتوا جميعا وإلى هذا ذهب سلطان العلماء قدس اللّه روحه وحكى لي ابنه المقدس العدل ان أباه كان يتعمد في الليالي للأماكن الموحشة المظلمة لعله يرى أحدا منهم فلم يتّفق له قال ولده فقلت له انهم لا يظهرون على من له قوة قلب وانما يظهرون على ضعفاء القلوب ، وبالجملة فان عليا عع قد قاتلهم زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله فاسلم منهم جماعة وعيّن عليهم خليفة منهم ، وكانت خلائه عليهم بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله كلما مات خليفة عيّن عليه السّلام لهم موضعه خليفة . وهكذا روى شيخنا المفيد قدس اللّه روحه في ارشاده مسندا إلى ابن عباس قال لما خرج النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى بني المصطلق جنّب عن الطريق فأدركه الليل ونزل بقرب واد وعر ، فلما كان في آخر الليل هبط جبرئيل عليه السّلام يخبره ان طائفة من كفّار الجن قد استنبطوا الوادي يريدون كيده عليه السّلام وإيقاع الشر بأصحابه عند سلوكهم إياه فدعى أمير المؤمنين فقال له اذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء اللّه الجن من يريدك فادفعهم بالقوة التي أعطاك اللّه عز وجل وتحصّن منهم بأسماء اللّه عز وجل التي خصّك بعلمها وانفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس وقال لهم كونوا معه وامتثلوا امره فتوجه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الوادي فلما قرب من شفيره امر المائة الذين صحبوه ان يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يؤذن لهم ، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوّذ باللّه من أعدائه وسمى اللّه عز اسمه واومى إلى القوم الذين اتبعوه ان يتقربوا منه ، فقربوا وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة سهم ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد
--> ( 1 ) هو العالم الفاضل الشهير المولى خليل القزويني رحمه اللّه المتوفى ( 1089 ) ه له آراء وأقوال غريبة واعوجاج في السليقة وكلمات عجيبة في فهم عبارات الأئمة عليهم السّلام راجع إلى روضات الجنات وغيرها .